الشيخ أحمد بن علي البوني
513
شمس المعارف الكبرى
وأما الذكر القائم بهذين الاسمين الشريفين فتقول : بسم اللّه الرحمن الرحيم اللهم أنت الأول القديم لا نهاية لوجودك ، أنت الأبدي مسبب الأسباب ومعلل العلل وموجد الأكوان ، ومؤخر كلا منهم إلى أجل معلوم ، أسألك يا من افتقر إليه كل شيء في وجوده إلى إيجاده وإثباته ، واضطر كل حي في حياته إلى روحه ، وانتهى وجود كل شيء بالرجعة إليه بعد فنائه ، أسألك أن تحييني بحياتك يا أول يا آخر يا ظاهر يا باطن يا رب العالمين . فصل في اسميه تعالى الظاهر والباطن بسم اللّه الرحمن الرحيم . اعلم أن الظاهر والباطن من أسماء اللّه تعالى ، وهما صفتان من المضافات ، فإن الظاهر يكون ظاهرا من وجه ، ولا يكون من وجه واحد ظاهرا وباطنا ، بل يكون ظاهرا من وجه بالإضافة ، واللّه باطن إن تدبرت ذلك من نسبة إدراك الحواس ، فهو باطن عن ذلك ، وإن طلبته بالنقل بطريق الاستدلال وجدته ظاهرا ، وقد تكلم في ذلك كثير من القوم ، ولسنا نريد الإطالة إلا على ما أشار إليه المحققون ، فالظاهر إخبار عن قدرته والباطن إعلام بحكمته . واعلم أن اللّه تعالى استعبدك بالظاهر والباطن تارة والظاهر دون الباطن ، أما تعبّده لك بالظاهر والباطن قال تعالى : وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ والعبادة على ظاهر المرفع ظاهرة من حيث العمل الجسماني ، باطنة من حيث الخلاص القلبي ، وأما عبادة الباطن دون الظاهر قال تعالى : وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ وقال تعالى : أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وأما عبادة اللّه الظاهر دون الباطن قال تعالى : أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ولما خلق اللّه تعالى أهل الباطن بالتعبدات ، جمع لهم الظواهر في القربات ، وليس هذا النظر هو التعبدات جمع لهم أسرار القربات الباطنات ، ولن يجمع اللّه تعالى أسرار البواطن والظواهر الإلهيات إلا لأهل الخلاص ، وذلك قوله تعالى : ألم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ - إلى قوله - الْمُفْلِحُونَ واعلم أن هؤلاء الطائفة الذين وصفهم اللّه تعالى في كتابه إيمانهم بالغيب في أهل الإخلاص الأول بالعناية الأولى ، وذلك الغيب هو ألطف عوالم الملكوت ، ومنه الأسباب الأخروية الموضوعة عوده على لسان الرسل عليهم الصلاة والسلام في إيمانهم بالغيب على المشهور سر اللطف من الغيب لأن الشيء لا يدرك إلا بما هو ألطف منه ، ولا يدرك بما هو دونه ، وإن أدرك بما هو منه لم يدرك إلا بالقدر ، واللّه تعالى خلق العقول ، وجعلها اختصاصات لطائف حقائق عوالم أسراره الإلهيات ، فردها بذلك السر النوراني الاختصاصي ، ثم بعد ذلك خاطبها وكان لها قوتان : قوة السماع الأول ، وقوة الأخروي للإجابة بامتثال العقل ، وذلك قوته السابقة ونعمته اللاحقة ، وللتقرب إلى اللّه تعالى بهذين الاسمين ، أن تعمر الظاهر بالتقوى والخشوع وإدامة السكوت والصوم في الخلوة وتلاوة الاسمين وسورة الإخلاص ألف مرة ، وتراعي الخواطر في العلويات والسفليات ، ولا يبرح من مكانه من الفكرة ، ويتلو الأسماء الأربعة الأول والآخر والظاهر والباطن حتى يرى بوارق العالم قد هبطت ، وأسماء الخدام الأول عهتيائيل عليه السّلام وهو يكشف لك عن الغيوب وتعلقها في العوالم وتراه وهو يخاطبك على أحسن بحسب استعدادك ، فإذا تلوت هذه الأسماء في خلوة